
قلقك، صديقك الخشن.
محمد جمال نعناعي·مؤسس الفريقالقلق صديق جيد، بطريقة خشنة، وموجودٌ شئنا أم أبينا. يذكرنا بأننا بشر؛ فأن تقلق يعني أنك تفكر، ثم تراجع، ثم تقرر. إذا أردت أن تكسبه فضعه بقالبٍ محدود، واسمعه جيدًا. وإلا فإن ثقله سيحل على كتفيك ثم قلبك.

طرق القلق على بابي مرةً ودخل، دون استئذانٍ أو خبر. كنت أمسك القلم، فوضع يده فوق يدي، فلم نعد نكتبُ حروفًا، بل نصوغ وهمًا. كان ضيفًا ثقيل، كعنكبوت في سقف غرفةٍ مغلقة. ينسج خيوطًا رقيقةً لا تُرى. لكن إذا تعدَّى الثلاثة أيام صارت الخيوط احتمالات لا تُعد ولا تحصى. صارت الاحتمالات خيالاتٍ ينسجها وهمٌ بين طيّات أفكاري فصرت أركض وأنا جالسٌ على مقعدي. يدي تتحرك ممسكةً بالقلم وعقلي صامت، مناقضًا حركة يدٍ أمسكها القلق. مع كل حرف تتسارع دقات قلبي، وكل نتيجةٍ أرميها في سلة مهملات أفكاري التي صارت كالجبل.
ظننت أنني أحمي نفسي بتركه يمسك يدي، لكنه غدر. التف حولي وظهر في رأسي ثم في قلبي ثم بدأ يلعب برؤيتي للقدر.

وعندما طفح الكيل وخارت قواي ومحل الشرايين صارت انسجة العنكبوت تتمدد. تركت القلم ووقفت، قلت له ماذا تريد، فسرد علي مخاوف الدهر في اقل من لمحة بصر. فمشيت للنافذة في غرفتي وفتحتها، تركت رياح الشتاء تنتشر في داخلي وداخلها وتنفض شباك العنكبوت كلها. لم اجبره على تركي بقسوة، ولم اتركه ينهش عظامي كما كان ينهش روحي، بل امسكت به ووضعته في قالب يكفيه، كفكرة عابرة، لا سيد على قلبي ووجداني.

فقولبه حتى لا يقولبك، فيمتص كل طاقتك، فلا أنت بالغٌ مبتغاك، ولا أنت بالغٌ راحتك
